الأحد، 9 سبتمبر، 2012

رحلة إلى قاع البحر – محمد الفاضل

لم يستطع نضال أن يغمض له جفن في ذلك المساء الذي لن يمحى من ذاكرته البتة ، جسده النحيل المتعب أنهكته أعباء السفر ومحطات الشتات والتشرد في الغربة ، سافرت روحه بعيداً حيث حقول القمح الذهبية في قريته الوادعة التي تطل على سفوح الوادي وتغفو على ضوء القمر ، وهي تتمايل بعذوبة مع نسمات الهواء المنعشة التي تجعلها ترقص بجذل . يالها من لوحة تأسر القلوب ، وأشجار الجوز والدراق والزيتون ورائحة الحقول المميزة وألوان الفراشات التي تتماهى مع جمال الطبيعة الخلاب في مشهد اَخاذ. حاول مراراً أن يخلد إلى النوم ولكن تلك الصور الجميلة مرت أمامه وكأنها شريط سينمائي فجعلته في حالة هيام وشوق عارم وحنين لقريته التي غادرها مع أخته سلام ووالديه بعد القصف العنيف والدمار الهائل الذي حولها إلى ساحة حرب ! كانت سلام تشخص ببصرها نحو سقف الغرفة وهي تحاول أن تعي مايحدث ومااَلت إليه أمور العائلة من تشرد ومحاولات تسلل متكررة في جنح الظلام مخافة إكتشاف أمرهم. - مارأيك يانضال ، هل نفلح بالوصول ؟ سألت سلام - أعدك بذلك فقد رتب أبي الموضوع مع المهرب ، حاولي أن تخلدي إلى النوم وتأخذي قسطاً من الراحة، أجاب نضال. وماهي إلا بضع ساعات ونتخلص من هذا الكابوس ونبدأ حياتنا من جديد. في ذلك المساء كانت تجتاحه مشاعر غريبة من الترقب والقلق الممزوج بالخوف من رحلة المجهول ولكنه لم يفصح عن حقيقة مشاعره واَثر السكوت ! خيل له انه سمع صوت طرق خافت على باب الغرفة وبعد لحظات وجد والده أمامه وهو يهمس في أذنه كي يوقظ سلام . بعد دقائق نهض الجميع ، بدت الأم مضطربة وهي تجول ببصرها في أنحاء الغرفة بحثاً عن باقي الأغراض والحزن يعصر قلبها ، سار الجميع خلف ذلك المهرب في مشهد جنائزي يبعث على الكاَبة والحزن . بدأت الأصوات تتعالى وتسمع من بعيد ورائحة البحر تزكم الأنوف ، وتلوح في الأفق أجساد أشباح هزيلة وهي تتسلل بحذر نحو القارب الذي كان يعج بالعشرات وكلهم يحدوهم الأمل بالخلاص ، رائحة الخوف والعرق كانت تطغى على المشهد والجميع يحبس أنفاسه ، تم حشر النساء والأطفال في الطابق السفلي من القارب وكأنهم في علبة سردين ! بدأ قارب الأحلام يمخر عباب البحر في رحلة نحو اللاعودة ولم تكد تمر سوى دقائق قليلة حتى تعالت أصوات الصراخ والإستغاثة في أرجاء القارب ! لقد بدأ القارب يغرق ، تعلق نضال بأنامل سلام وهو يقبض عليها بشدة مخافة أن يفقدها ولكن يده الصغيرة لم تقوى على الألم الذي بدأ يسري في كامل جسده الصغير . في ذلك اليوم المأساوي تناقلت وكالات الأنباء خبر مقتضب عن غرق أكثر من 65 مهاجر نصفهم من النساء والأطفال . رحلة إلى قاع البحر – محمد الفاضل إلى أرواح الشهداء الذين غرقوا قرابة السواحل التركية في محاولة منهم للبحث عن وطن وجميع شهداء الثورة السورية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق