الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

حذاء العيد – محمد الفاضل



  

سكن الليل وهدأت الحركة في الخارج ، اطفئت معظم القناديل ومد الظلام ذوائبه فوق القرية ، توارى القمر خلف غيوم رمادية ، بدأت الريح تصفر وتزمجر وتتلاعب بباب الغرفة الخشبي القديم محدثا جلبة يصبح معها النوم مجرد أمنية لن تتحقق ، حاول خالد أن يخلد إلى النوم ولكن لم يفلح البتة ، بدأ يحدق في الفراغ بعينيه الحمراوتين اللتين أرهقهما السهاد ، كانتا تبدوان مثل جمرتين متقدتين تشعان في الظلام.
أسند ظهره إلى الحائط محاولاً  استرجاع المواقف بينه وبين ولده علي ،  حيث يتحول الحوار في معظمها إلى شجار وينتهي بانسحاب ولده وخذلانه،

في ذلك المساء العاصف بدا خالد شارد الذهن ، وقد أنهكه عمق التفكير والندم ، وبدأ يقضم أظافر يديه بتوتر وكأنه يريد أن يقتلعهما ليكفر عن قسوته ، علّ ولده الوحيد يسامحه .
- يبدو أني قسوت عليه كثيراً , غداً في الصباح سأعوضه بهدية وأفاجئه بها ، سوف أشتري له الحذاء الذي رأيناه بالأمس ، لقد سال لعابه ، وألح علي بشرائه ، ولكني نهرته ، كان ينظر له ويتأمله كمن يرى قطعة حلوى شهية . ثم ماجدوى أن تمتلك طائراً جميلاً وتحبسه في قفص ؟ يجب أن أدعه يجرب التحليق بجناحيه ، برغم وجود الصقور والغربان . مازلت أذكر ذلك الطائر الذي حبسته في قفص ، كان تغريده حزيناً ،  رفض الأكل ومات في الأسر كمداً .

وما أن طلعت الشمس ونشرت أشعتها الذهبية فوق بيوت القرية النائمة في أحضان الطبيعة ، حتى كان خالد يحث الخطا نحو محل أبي أحمد لشراء الحذاء ، كان يبدو سعيدأ على غير عادته ، يحدث تفسه ويتخيل فرحة علي بشراء الحذاء .
وفي طريق عودته كان يسابق الريح والفرحة تكاد تقفز من عينيه الدامعتين ، استحوذت عليه نوبة بكاء شديدة من الفرح ، بدأ قلبه يخفق بشدة وكأنه سوف يهرب من صدره ويسقط ، شرع يجري كالمجنون .

اختفت أنفاس الحقول الندية وشذا عطر الأقحوان وتحولت إلى أرض يباب ، سحب الدخان تملأ المكان والمنزل سوي بالأرض ، قفز كالملسوع وهو يبحث بين الركام عن علي ، أخيرأ أخبره جاره بأن علي اصابته بليغة وقد تم اسعافه إلى مستشفى المدينة ، تبرع جاره بأن يوصله إلى المستشفى

عند وصوله ، شاهد علي يرقد في السرير وقد بدا شاحب الوجه ، متعب والعرق يتصبب من جبينه ، ومع ذلك   تكسو ملامحه علامات الإصرار والتحدي، انحنى خالد فوق سريره وشرع يقبل يديه ووجنتيه وقد سالت دموعه الحارة فكانت مثل قطرات المطر عندما تنهمر فوق أرض مجدبة فتحيلها إلى مروج خضراء .

- الحمد لله على سلامتك يا ولدي الحبيب . أنظر ماذا أحضرت لك ، سوف تلبسه في العيد وتخرج مع أصحابك.
بدا علي حزينا عند رؤية الحذاء ، حاول أن يتماسك ولكن نجحت دمعة بالافلات من عينيه البريئتين مثل عصفور فر من القفص ، طار صواب خالد  وقد بدأ القلق ينهش قلبه ، وفي عينيه سؤال لم يجد له إجابة . اندفع يحتضن ولده ويضمه إلى صدره بحرارة وقد اختنق بالنشيج ، أزاح غطاء السرير لمساعدته في لبس الحذاء ، يا الله .. يا الله ، لقد بترت ساق علي بسبب القنابل العنقودية .

السويد – 26 / 6 / 2016













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق